لأول مرة، نشرت صحيفة إسبانية مقابلة مع الرئيس مام جلال.
في تلك المقابلة، وجّه مام جلال انتقادًا شديدًا إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة، محمّلًا إياهم مسؤولية الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الشعب الكردي في العراق. وقال:
«إن القصف الكيميائي هو سياسة إبادة جماعية وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان، وعلى جميع دول العالم والأمم المتحدة أن تُحاسَب على هذا الجُرم».
مانويل مارتوريل هو صحفي إسباني وخبير في الشأن الكردي. أجرى في عام 1988 مقابلة مع الرئيس مام جلال في مدريد لصالح صحيفة Diario16 الإسبانية. وفي حديث خاص مع صحيفة كوردستاني نوي، استذكر مانويل جوهر تلك المقابلة، موضحًا أن هدفه الرئيسي من الزيارة كان حثّ الحكومة الإسبانية على وقف بيع الأسلحة والمواد الكيميائية للعراق. كما تحدث عن رؤية الرئيس مام جلال للحكم والسلام، واعتبرها رؤية ضرورية ليس فقط لكردستان، بل للشرق الأوسط بأكمله، مشيرًا إلى أهمية دوره في تدويل القضية الكردية.
⸻
متى وأين التقيت مام جلال لأول مرة؟ وما الذي تحدثتما عنه؟
قال مارتوريل:
«كانت أول فرصة لي للقاء القادة الكرد في أكتوبر 1988، خلال مؤتمر خاص عن كردستان عُقد في مدريد، نظمّه معهد الدراسات السياسية لأمريكا اللاتينية وإفريقيا.
وقد دُعي إلى المؤتمر ثلاثة من الشخصيات الكردية البارزة:
1. كندال نزان – كردي من شمال كردستان ومدير المعهد الكردي في باريس.
2. عبد الرحمن قاسملو – زعيم كردي معروف من شرق كردستان.
3. جلال طالباني.
أجريت مقابلة مع طالباني نُشرت في صحيفة Diario16، وفيها أدان تقاعس المجتمع الدولي تجاه الإبادة التي تعرض لها الشعب الكردي في العراق، كما أدان بيع الأسلحة والمواد الكيميائية لنظام صدام حسين من قِبل إسبانيا ودول أوروبية أخرى».
⸻
كم مرة التقيت الرئيس مام جلال بعد ذلك؟
«التقيته مرة أخرى في أغسطس 1991 في شقلاوة، وكان إقليم كردستان في حالة انتفاضة شاملة. دخلنا عبر معبر فيشخابور، وضمّ وفدنا صحفيين ومصورًا وممثلًا للصليب الأحمر الإسباني. كانت مناطق عديدة من كردستان، بينها أربيل، تحت سيطرة الجيش العراقي، فاضطررنا إلى المرور عبر العمادية وبارزان وصولًا إلى شقلاوة، حيث كان مام جلال.
استقبلنا بحفاوة وقدّمت له النسخة الأولى من كتابي كردستان: تاريخ مقاومة. عرضت عليه الأسئلة التي أعددتها، لكنه اعتذر لضيق الوقت، ومع ذلك، ساعدنا الاتحاد الوطني الكردستاني في الوصول إلى السليمانية التي كانت آنذاك تحت الحصار».
ويضيف: «وفي عام 2006، استقبلني مام جلال مرة أخرى في دوكان، حيث تحدثنا عن مشروع لحماية وتوسيع المساحات الخضراء والغابات بالتعاون مع حكومة إقليم نافارا في إسبانيا».
⸻
ما رأيك بالرئيس مام جلال؟
«كان طالباني نموذجًا لرجل الدولة صاحب الرؤية الدبلوماسية، حتى في أصعب اللحظات، كان يمتلك القدرة على إيجاد حلول قائمة على الاحترام والحوار.
كان يضع مصلحة الشعب والقضية الكردية فوق الانقسامات الحزبية والشخصية، ويحترم الخلافات الفكرية والسياسية.
احترم قرار رفيقه نوشيروان مصطفى عندما أسّس حزبًا جديدًا، ودافع عن الشاعر فرهاد بيربال حين تعرّض للهجوم من الجميع.
هذا الاحترام للاختلاف هو ما يُنمّي روح الديمقراطية في كردستان.
في رأيي، مثّل طالباني نقطة تحول في مسار الحركة الوطنية الكردية نحو فكر أكثر تقدمية وحداثة، وساهم في جعل القضية الكردية تحظى باهتمام دولي واسع، خصوصًا داخل المنظمة الاشتراكية الدولية التي كان أحد أبرز ممثليها».
⸻
ما مدى حاجة كردستان والشرق الأوسط إلى شخصية مثل مام جلال؟
«أنا فخور بمعرفتي بأحد أبرز قادة الشعب الكردي.
إن روح الحوار والحكمة السياسية التي تحلّى بها طالباني ضرورية لتحقيق الاستقرار والسلام، ليس فقط في كردستان بل في الشرق الأوسط بأسره.
واليوم، وسط الأزمات التي يعيشها الشرق الأوسط، نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قادة يمتلكون مكانة وقدرة طالباني، لترسيخ الرؤية الكردية العالمية القائمة على احترام التنوع الثقافي والديني والقومي.
كردستان يمكن أن تكون نموذجًا لتحقيق الاستقرار والسلام الذي يحتاجه العالم أجمع، لكن للوصول إلى ذلك، كما قلت في مؤتمر معرض الكتاب الدولي:
«على السياسيين أن يسيروا على نهج طالباني».
⸻
زرت كردستان مرات عديدة، كيف تصف الشعب الكردي؟
«زرت إقليم كردستان أكثر من عشر مرات، كما زرت كردستان الشرقية والغربية.
لقد كانت كردستان والمعرفة بالشعب الكردي بمثابة “معلمٍ كبير” لي لفهم تعقيدات الشرق الأوسط سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا.
من خلال الأكراد، فهمت ما يحدث في العراق وإيران وسوريا وتركيا.
الأكراد علّموني كيف يمكن تجاوز الصورة النمطية القديمة التي كانت سائدة في أوروبا، والتي تربط الشرق الأوسط بالتشدد الديني، فقد برهن الأكراد أن الإسلام يمكن أن يكون متسامحًا ومتنورًا.
لكنني أرى أن من الخطر أن يعتمد الاقتصاد الكردي على قطاع واحد مثل النفط والغاز، لأن ذلك يُهمل إمكانات كبيرة في الزراعة والصناعة والسياحة.
كردستان غنية بمواردها الطبيعية، خاصة في الأرياف، التي تمثل الإرث التاريخي للشعب الكردي، وينبغي تطويرها».
⸻
ملخص مقابلة الرئيس مام جلال مع الصحيفة الإسبانية
نشرت صحيفة Diario16 عنوانًا بارزًا على صفحتها الأولى:
«جلال طالباني يتهم الأمم المتحدة بالتقاعس عن مواجهة إبادة الأكراد».
وأشارت المقدمة إلى أن جلال طالباني، زعيم القوات الكردية المسلحة في العراق، أدان من مدريد الإبادة الجماعية التي يتعرض لها شعبه، واتهم المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة، بالتقاعس.
أكد طالباني في المقابلة أن السلام لن يتحقق ما لم تُضمن الحقوق القومية للشعب الكردي.
وأوضح أن الوضع مختلف عن عام 1975 حين أدّى اتفاق الجزائر بين العراق وإيران إلى انهيار الثورة الكردية، مشيرًا إلى أن الثورة اليوم أقوى وأكثر تصميمًا على تحقيق أهدافها.
وقال:
«الاتحاد الوطني الكردستاني شكّل جبهة موحدة مع الحزب الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي، ونحن نقاتل بالسلاح من أجل حق تقرير المصير للشعب الكردي».
وأضاف:
«نؤمن بجميع أشكال النضال، سواء السياسي أو المسلح، ولا نرفض التفاوض مع الحكومة العراقية إذا كانت مستعدة، لكننا لا نثق بها».
وانتقد طالباني بشدة المجتمع الدولي والأمم المتحدة، محمّلًا إياهما مسؤولية «الإبادة الجماعية» ضد الأكراد، مؤكدًا أن «القصف الكيميائي سياسة إبادة وانتهاك صريح لحقوق الإنسان» ، وأشار إلى أن دولًا مثل فرنسا والاتحاد السوفييتي ساعدت العراق في امتلاك السلاح الكيميائي.
⸻
تعريف بصحيفة Diario16
تأسست صحيفة Diario16 عام 1976 في مدريد، وكانت من أبرز الصحف الإسبانية التي دافعت عن الحريات المدنية واشتهرت بتحقيقاتها الاستقصائية، وأجرت مقابلات مع العديد من قادة العالم.
كانت تطبع أكثر من 100 ألف نسخة يوميًا، وحصلت على جوائز صحفية عدة.
توقفت عن الصدور عام 2001 بسبب مشاكل مالية، لكنها عادت عام 2015 بنسختها الإلكترونية.