سیرة حیاة الرئيس جلال طالباني

الرئيس جلال طالباني


صمام أمان العراق و عصر لا يمكن اختزاله

تأريخ حافل ومكثف من كفاح الحركة الوطنية والنشاط الديمقراطي الممتد من كوردستان حتى قصر السلام في بغداد وعلى كدار أكثر من ستين عاماً.
بدأ منذ الصغر، وزامن مراحل وحقب مختلفة كثيرة، واستمر دون انقطاع حتى الرحيل المدوي والمؤثر، عصر لا يمكن عصره ايجاز قصير أو بيان مقتضب، ومسيرة مديدة لا يمكن اختزالها في هذا المقال ولكل مقام مقال.

بدأت المسيرة مبكراً منذ 1947 حيث أسس تجمعاً طلابياً لتشجيع القراءة وهو لم يزل صغيراً ومن ثم انخرط في العمل الحزبي الطلابي وكان "اتحاد طلبة كوردستان لماذا؟" من بواكير كتاباته التعبوية السياسية. وامتدت المسيرة الحزبية الى النضال المهني والمنظمات وتأسيس اتحاد الشبيبة. ثم المشاركة الفاعلة في المؤتمرات والفعاليات الطلابية النخبوية والجماهيرية والاسهام فيها خير اسهام داخل و خارج العراق في وارشو وموسكو وغيرها من العواصم الاشتراكية حيث كانت للاشتراكية والخيار اليساري يحكم في رقعة كبيرة من العالم في خمسينات القرن الماضي، الى النضال السري والجبهوي و التحالفات الديموقراطية والوطنية في عهد الملكية وحمل السلاح لمقارعة الدكتاتورية ثم التحول الى الثورة العادلة دفاعاً عن المبادئ المتجذرة في فكره القومي والوطني دون الاخلال بالانتماء الإنساني الاوسع وبمبادئ الاخوة العربية الكوردية و القواسم والنضال المشترك بين الشعبين والمكونات الأخرى من الطيف الوطني المتجذر في التربة العراقية.


ثورة من اجل الحقوق القومية ليس للكورد فقط، بل لجميع القوميات والمكونات الأخرى أيضاً. ثورة إنسانية تحتضن الهاجس القومي الى جانب هاجس العدالة الاجتماعية والشراكة والمساواة، فكان الجميع يجدون أنفسهم فيها حاضرين وكانت بحق ثورة جديدة شاملة ترخي بظلالها على النضال القومي والطلابي والنسوي والشبابي والديمقراطي والكتابي والفكري والثقافي والفني، وكان الرئيس طالباني في تلك الميادين حاضراً بشخصه يؤدي دور المحرك الرئيسي والمخطط الأول والرئيس والمعلم لأجيال من القادة والرواد مشاركاً ومحاوراً ومقاتلاً شريفاً، يخوض حرباً نظيفة من أجل العدالة وفق أرقى معايير الدفاع المقدس. ومفاوضاً ديمقراطياً من أجل حقوق الشعب والديمقراطية كلما سمحت الانفراجات السياسية النادرة في عهود الدكتاتورية الجاثمة على صدور العراقيين.


ولم تغب عنه مبدأ المصالحة الوطنية خلال هاتيك المسيرة للحظة، وكان التفريق بين الحكومات الشوفينية الفاشية والشعوب الغالبة على أمرها والمضطهدة في أحايين كثيرة سيد الموقف، ورغم قسوة وتعنت الأنظمة والحكومات المتعاقبة في حكم العراق، الا أن هذه المسيرة المعطاء وتحديداً راعيها يشدد على الحرص على الشراكة والصلح والتفاوض والحوار ويفضل النشاط والدور الدبلوماسي درءاً للويلات والمآسي والكوارث وسبيلاً متحضراً لحل المشكلات والمعوقات. واستمر على هذا المنوال وطنياً مخلصاً وديمقراطياً عراقياً ورائداً من رواد الاصلاح والعدالة والتآخي بين الشعوب.   
الرئيس طالباني آثر في مشواره المليء بالتضحيات الجسام مبدأ نصرة المظلوم، وإعلاء شأن العدالة الاجتماعية والسعي الدؤوب لتحقيق الحرية، ونصرة المرأة والانتصار لحقوقها وتعزيز حرية القلم والرأي والكلمة من قيودها التي تكبلها سياسياً ومجتمعياً، وهو أول من بنى منصة في حديقة آزادي في السليمانية ليسنح الفرصة لكل من يريد توجيه انتقادات داعياً الى أن يبدأوا به قبل الجميع، ولم يأت ذلك من فراغ فقد بدأ النضال مثقفاً متنوراً يحارب رواسب الرجعية، ويقف بجانب النساء في مطالبهن ومناشداتهن، كما انخرط في دهاليز السياسة منذ البدء كاتباً وصحفياً ألمعياً متفتح العقل والبصيرة لا يخشى ابداء آرائه وافكاره ويدافع عنها لآخر رمق.

ومثلت الاشتراكية الدولية تلك المنظمة العالمية المستقطبة للأحزاب والقوى السياسية ذات التوجه الديمقراطي الاجتماعي، أو الاشتراكي المعتدل من أدنى الشرق الى أقصى الغرب. مرحلة مشرفة وبارزة من تأريخ طالباني النضالي المتمدن، اذ لم تدر مساهماته الفعّالة فيها وبصمته الواضحة في أروقتها وصولاً الى تسنمه منصب نائب الرئيس فيها خيراً على حزبه الاتحاد الوطني الكوردستاني والأحزاب الكوردية المتخذة التوجه ذاته في أجزاء كوردستان فحسب، بل انسحب على الحضور العراقي السياسي، والسياسة الرسمية العراقية أيضاً كونه أول رئيس كوردي منتخب له، كما أفاد الى أقصى الحدود مفاهيم كانت جديدة بالنسبة لكثير من ساسة المنطقة وفي مقدمتها النزعة المناهضة للاقتتال الداخلي ومقت عقوبة الإعدام ودفاعه المستميت عن توقيعه لوقفها، وتحريم الدم العراقي الذي ما أنفك يحارب لأجله في كل مناسبة أو حدث.


فيما احتلت المرأة والدعوة لإنصافها في مساواة حقوقها بالرجال وتوسيع مشاركتها في الحياة المدنية والسياسية وتمكينها في جميع المجالات والقطاعات حيزاً كبيراً من جهود الرجل، فهو الذي يعرف بسند النساء والمدافع عن حصتهن في مؤسسات الدولة والحكم أو ما يعرف بالكوتا بنسبة (25%) وتجلٌى ذلك تماماً أثناء الجدل والمناقشات التي رافقت صياغة الدستور الدائم وفي مجلس الحكم أيضاً، كما كان قراره بمنع الزواج بثانية دون مبرر خلال رئاسته إدارة السليمانية سجلاً مشرفاً يكتبه التأريخ بماء الذهب.   


وعلى الرغم من الأوضاع السيئة التي مر بها البلاد بعد 2003 والتراجع الاقتصادي والتدهور الأمني، لم يفت الرئيس طالباني دعمه التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر حث الاستثمار الوطني ورأس المال المحلي وتهيئة الظروف الملائمة له منطلقاً في ذلك من حرصه الشديد على مصير العراق وتأمين مستقبل أبنائه جميعاً وانتشاله من المستنقع الذي كاد ان يغرق فيه.

 وتشهد مرحلة ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري لنضج رؤية طالباني وحكمة سياسية وحنكة قلّ نظيرها في التأسيس لنظام ديمقراطي يمثل الجميع انقذ البلد من براثن الفوضى واللا نظام وأشرك الجميع في إدارة البلد بعدما همشوا منها لسنين، فاستبدل التوافق والائتلاف والتحالف والعمل المشترك بالاستئثار بالسلطة وحكم الحزب القائد والدكتاتورية المنبوذة، فكان الخيار الأقوم  والانجح من بين جميع الخيارات التي كانت متاحة في تلك الحقبة ما اغلق الباب بوجه الفرقة والتناحر ومهّد لنظام ديمقراطي اتحادي رسخ فيما بعد في الدستور الذي صوت له غالبية الشعب العراقي في استفتاء عام 2005.

ولم تشغل مشاكل الحكم وإدارة بلد خرج لتوه من حكم شمولي مستبد استمر زهاء 35 سنة طالباني عن مبدئه الثابت في الرفاقية في دعم القضية الكوردية في أجزاء كوردستان والتعامل البناء مع دول وعواصم الإقليم لدفعها نحو حلول ديمقراطية ونحو تحالف عراقي عربي ضد الدكتاتورية، وفي هذا المضمار يتجلى رده على طالب تركي في انقرة حين سأله عن موقع كوردستان فرد عليه: "ان كوردستان خلقها الله ولم اخلقها انا فلا أحد يمكنه انكارها". وبهذه الديناميكية العالية رعى الرئيس طالباني جولات حوار بناءة بين الحكومة التركية والحركة الكوردية في تركيا دعما للحقوق القومية وانتصارا للسلام الإقليمي وحقناً لدماء الأخوة.


ويشهد الجميع على ان نماذج مواقف الطالباني في حفظ التوازن هي فريدة من نوعها، فقد كان في الوقت نفسه صديقاَ مقرباً وثقة للشيعة واحزابهم السياسية ومدافعاً عنيداً عن السنة، في حين لم ينسى المكونات الأخرى التركمانية والكلد وآشورية والمسيحية وكان دوماً حامٍ لحقوقها. كما كان الثقة الأوحد عند الأمريكيين، والحريص على الاهتمام والقرب من البريطانيين والروس والصينيين والفرنسيين والألمان. فيما كان يتمتع بصداقة تركيا تسمع عندها كلمته وهو راعي عملية السلام بين أنقرة وحزب العمال الكوردستاني قبل أن تتراجع عنها أنقرة وفي الوقت ذاته كان له عند ايران والأحزاب الكوردية المعارضة لحكمه ثقله و مكانته الرفيعة، كما بنى علاقات أخوية متينة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية والسلطة الفلسطينية وسوريا ومصر دون استثناء وصفَ بسبب ذلك في المحافل الصحفية و الثقافية و السياسية بـ "رجل حفظ التوازنات"، وهو الشخصية الوحيدة التي كان بإمكانها استقبال كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة و مصافحة الرئيس الإيراني احمدي نجاد في آن واحد.

طوال مسيرته السياسية التي تجاوزت أكثر من نصف القرن، كما كان طالباني لا يعرف غير التفاؤل، ويعتمد الحوار والصراحة مفتاحاً لفك العقد وحل المشكلات، ويعتبر قيم التسامح الديني والمذهبي وتعزيزه واحترام الدين والسلم الاجتماعي من أولوياته التي يسعى لتحقيقها، وهذا ما كسبه حب العربي والشيعي والتركماني والمسيحي قبل الكوردي. واكسبه لقب صمام أمان العراق وشاحاً وطنياً من سماحة السيد السيستاني وليس هناك ابلغ من قول أحد متظاهري بغداد خلال الاحداث المؤسفة الأخيرة في العراق تأكيداً لمواقفه وتأثيره والايمان بقدراته على معالجة الصعاب، حين قال متحسرا عليه: " إذا مام جلال كان موجود كان ما صار هيجي".
  
اسمه الكامل جلال حسام الدين نور الله، ولد في العام 1932 في قرية كلكان التابعة لقضاء كويه في سفح جبل كوسرت بإقليم كوردستان- العراق، تعود اصوله الى اسرة الشيوخ الطالبانيين، وبعد ان تم اختيار والده مرشداً للتكية الطالبانية سكنت عائلته في قضاء كويه. 

المؤسس والأمين العام للاتحاد الوطني الكوردستاني، رئيس جمهورية العراق للفترة 2005-2014

في عام 1945 أقيم احتفال شعبي لعيد نوروز في كويه، شارك طالباني وهو في عمر الثالثة عشرة في الاحتفال والقى كلمة حماسية نالت اعجاب معلميه والمشاركين في الحفل.
أسس في عام 1946 مع عدد من زملائه التلاميذ وبإرشاد من أحد معلميه جمعية تعليمية سرية أطلقت عليها تسمية (K.P.X) (جمعية تطوير القراءة) حيث انتخب مام جلال سكرتيراً لها وكان هدف الجمعية تشجيع التلاميذ على القراءة وما تعرف بالمطالعة الخارجية. بعد ممارسته نوعاً من العمل السياسي السري نشرت له صحيفة (رزكاري) السرية التي كان يصدرها الحزب الديمقراطي الكوردي مقالاً قصيراً باسم مستعار وهو (ئاكر) أي (النار).
بعد ذلك توجه الى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وعن طريق المناضل عمر دبابة التحق بحلقة ثقافية تابعة للحزب، وتعود جذور علاقاته التنظيمية والسياسية مع الحزب الديمقراطي الى العام 1947، عن طريق مدرسه طاهر سعيد.
تسلم مسؤولية طلبة الحزب الديمقراطي في متوسطة كويه، وفي الـ 15 من عمره أشرف على تظاهرة جماهيرية في قضاء كويه ضد توقيع معاهدة بورتسموث عام 1948، وفي العام نفسه انتخب ممثلاً عن طلبة كويه للمشاركة في المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام لطلبة العراق، وانتخب خلال المؤتمر كعضو احتياط. وبعد مرور عام أصبح عضواً في لجنة كويه.

أنهى دراسته الإعدادية في كركوك واراد مواصلة الدراسة في كلية الطب بجامعة بغداد، لكن طلبه رفض لأن المؤسسات الأمنية لم تمنحه التأييد اللازم لدخول الكلية، لذا توجه الى كلية القانون وتم قبوله هناك في العام الدراسي 1952-1953.
خلال المؤتمر الثالث للحزب الديمقراطي الكوردستاني في العام 1953 انتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب، وفي شباط من العام نفسه، أسس اتحاد طلبة كوردستان وأصبح سكرتيراً للاتحاد. في العام 1955، وضمن وفد طلبة وشباب العراق شارك في مؤتمر الشباب العالمي في وارسو-بولندا. وقام هناك بتنظيم حملة للتعريف بالقضية الكوردية، نشاطه المتميز في بولندا اثار اعجاب الصينيين ، لذا قدموا دعوة رسمية له و لعضو عربي آخر في الوفد العراقي، وقد توجه الاثنان مع جمع غفير من الشباب المدعوين من دول العالم ، الى الصين عن طريق القطار مروراً بأراضي الاتحاد السوفيتي.
وفي الطريق فكر في إيجاد وسيلة للقاء رئيس الحزب الديمقراطي الملا مصطفى بارزاني والذي كان حينها لاجئاً سياسياً في روسيا، وفي طريق العودة من بكين حتى موسكو كتب رسالة مطولة، وهناك سلمها الى مذيع عربي عراقي كان يعمل في القسم العربي بإذاعة موسكو لإيصالها الى الملا مصطفى بارزاني، وبعد وصول الرسالة، وصلت اليه بعض التعليمات من بارزاني عن طريق حامل الرسالة، إضافة الى عنوان شخص إيراني مقيم في المانيا الغربية لكي يكتب له الرسائل ويصبح جسراً بين بارزاني وقيادة الحزب الديمقراطي داخل البلد. وبعد عودته عملت الأجهزة الأمنية على افتعال بعض المشاكل لمام جلال، لكنها لم تستطع اثبات أي شيء ضده.

في العام 1956، وبعد مشاركته في التظاهرات التي نددت بالهجوم الإسرائيلي البريطاني الفرنسي على مصر، أصدرت السلطات الأمنية أمراً باعتقاله، وبحجة كثرة غياباته واتهامه بالانتماء الى منظمة مؤيدي السلام التابعة للحزب الشيوعي العراقي، منع من الدراسة في كلية الحقوق.

في العام 1957، تمت دعوته للمشاركة في مهرجان الطلبة والشباب العالمي في موسكو ضمن الوفد العراقي، بصفته سكرتيراً لاتحاد طلبة كوردستان، وهناك التقى لأول مرة بالملا مصطفى بارزاني وعقد معه عدة اجتماعات، وكانت تلك الاجتماعات هي الأولى بين بارزاني كرئيس للحزب الديمقراطي وقيادة الحزب في الداخل.

بعد انهيار النظام الملكي وإعلان جمهورية العراق في 14 تموز 1958، عاد الى الدراسة في كلية الحقوق، وأنهى دراسته في العام التالي، وبدأ الحياة المهنية كمحام. لكن ذلك كان لفترة قصيرة جداً، حيث مارس عمله كمحام مرتين فقط، الأولى: في العام 1960 عندما تم اعتقال إبراهيم احمد سكرتير الحزب الديمقراطي كرئيس لتحرير صحيفة (خبات)، وقام طالباني وعدد آخر من المحاميين بالدفاع عنه، والثانية: عندما تبنى الدفاع عن حقوق العمال في الخلاف الذي دار بينهم وبين احدى الشركات.

بعد توتر العلاقة بين عبد الكريم قاسم والحزب الديمقراطي الكوردستاني تبين ان بغداد ليس لديها أي برنامج لحل المسألة الكوردية، لذلك أعلنوا في العام 1961 عصياناً واسعاً ضد عبد الكريم قاسم للاعتراض على تنفيذ قرار الإصلاح الزراعي، وقام عبد الكريم قاسم بإرسال طائرات مقاتلة لضربهم. من ثم قرر الحزب الديمقراطي تحويل العصيان العشائري الى ثورة قومية وبدأ بالنضال المسلح ضد حكومة عبد الكريم قاسم. وفي ذلك الوقت كان جلال طالباني يشرف على العمليات والنشاطات المسلحة لقوات البيشمركة في منطقة (جمي ريزان)، وكان قائداً لقوات (رزكاري) وأشرف على معارك شاربازير وبنجوين و(جمي ريزان).   

بعد انهيار حكومة عبد الكريم قاسم وتسلم البعثيين مقاليد الحكم في شباط العام 1963، بدأ مام جلال وصالح اليوسفي حوارات مع الحكومة الجديدة بصفتهما ممثلين عن الحزب الديمقراطي، بهدف التوصل الى اتفاق لحل المسألة الكوردية ، في ذلك الحين أعلنت حكومة البعث بأن جمال عبد الناصر كزعيم العروبة آنذاك ، ربما لن يوافق على هذه الخطوة، ويصف البعث بالضعف في مسألة القومية العربية، لذا و في نفس الشهر قام مام جلال بزيارة مصر و التقى هناك الرئيس جمال عبد الناصر ، وأوضح له مسألة طلب الحكم الذاتي ومن مصر توجه الى الجزائر والتقى هناك مع الوفد العراقي الرئيس بن بيلا، ومن ثم عاد الى مصر والتقى عبد الناصر مرة أخرى، و استطاع إقناعه بأن المسألة الكوردية و حقوق الكورد لن تعود بالضرر على الأمة العربية.

وبعد أن تراجعت بغداد عن الاعتراف بالحكم الذاتي لكوردستان، وبدلاً من الحكم الذاتي اقترحت توسيع صلاحيات المحافظات، ازداد التوتر بين الكورد وبغداد، وحين كان طالباني في لبنان يعقد مؤتمراً صحفياً حول حقوق الكورد قامت الحكومة العراقية باعتقال جميع أعضاء الوفد الكوردي، وفي 10 حزيران بدأت بشن هجوم واسع على كوردستان.


في العام 1964 وبعد اعلان الهدنة بين الثورة وحكومة عبد السلام عارف الذي استطاع القيام بانقلاب وابعاد البعثيين عن الحكم، بدأت الأزمات الداخلية في الحزب الديمقراطي، بين جناح الملا مصطفى بارزاني وجناح المكتب السياسي بقيادة إبراهيم احمد، كان طالباني يدعم جناح المكتب السياسي، وبعد أن قامت قوات بارزاني بالهجوم على قوات المكتب السياسي في ماوت، تراجعت الأخيرة الى الأراضي الإيرانية وتمركزت في منطقة همدان.
 وبعد فترة، توصل جناح المكتب السياسي الى اتفاق مع الملا مصطفى، لكن بعد ازدياد الضغوط على جناح المكتب السياسي وتزايد المخاطر على أعضاء الجناح، توصل جناح المكتب السياسي الى اتفاق مع الحكومة العراقية في العام 1966، تم بموجبه منح حرية النشاط السياسي العلني في المدن لجناح المكتب السياسي وأعطى لهم حق المطالبة بتشكيل قوات مسلحة.

بعد اعلان اتفاقية 11 آذار العام 1970، من قبل الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، وتوحيد جناحي الحركة الكوردية، أسس مام جلال بالتعاون مع عدد من الكوادر القدامى في جناح المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، منظمة يسارية سرية باسم (العصبة الماركسية اللينينية في كوردستان).
في العام 1971، ووفقاً للاتفاق المبرم مع بارزاني بعد توحيد الجناحين المتنافسين في الحزب الديمقراطي، لم يتسلم طالباني ورفاقه أية مسؤولية، وفي العام 1972 غادر كوردستان واستقر في لبنان، في تلك الفترة عزز علاقاته مع الفلسطينيين وخاصة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش.

وحين تعرضت الثورة الى الانهيار في العام 1975 إثر اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، كان طالباني يعيش في القاهرة بصفته عضواً في مكتب العلاقات العربية للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وعمل آنذاك كل ما في وسعه لإقناع قيادة الحزب الديمقراطي بأنه ما زالت هناك فرصة للمقاومة والصمود، والدليل على ذلك أن ممثلاً للاتحاد السوفيتي أكد استعداده لدعم القضية الكوردية شريطة استمرار الثورة.
وبعد 3 أشهر من نكسة الثورة في كوردستان، أسس طالباني الاتحاد الوطني الكوردستاني في سوريا، وفي ذلك العام استطاع اتخاذ خطوتين مهمتين لتعزيز موقع الاتحاد الوطني، الأولى جذب عصبة شغيلة كوردستان والحركة الاشتراكية في كوردستان الى صفوف الاتحاد الوطني الكوردستاني، والثانية هي ضم الاتحاد الوطني الى التجمع الوطني العراقي، الذي كان تحالفاً سياسياً معارضاً للنظام البعثي.

وبعد تهيئة المستلزمات المطلوبة لمعاودة نضال البيشمركايتي المسلح في كوردستان، عاد في آب 1977 الى كوردستان واخذ على عاتقه مهمة قيادة الثورة.

في العام 1980 عندما قام العراق بمهاجمة إيران، عارض طالباني هذه السياسة العدائية للنظام في العراق وشارك في العام نفسه، في تأسيس الجبهة الوطنية القومية الديمقراطية في العراق والتي تألفت من 8 أطراف وكان هدفها اسقاط النظام البعثي.

في العام 1984 بدأ مام جلال بالتفاوض مع النظام البعثي ولكن بعد أن يئس من التوصل الى اتفاق مناسب لحل القضية الكوردية، أعلن في منتصف كانون الثاني 1985 انهاء المفاوضات، وفي العام نفسه، حين اعلن الإيرانيون انهم مستعدين لتصحيح موقفهم تجاه الاتحاد الوطني وانهم يرغبون في التصالح والتنسيق، رحب مام جلال بذلك وأكد دعمه لتطبيع العلاقات بين الاتحاد الوطني وايران.

في العام 1986 تعززت العلاقات بين الجانبين ووصلت الى مستوى تحالف معارض للنظام البعثي.

ومنذ ذلك الحين بدأ بالعمل على توحيد البيت الكوردي واقترح مشروع المصالحة العامة، وفي البداية أنجز التصالح مع الحزب الاشتراكي الكوردستاني، من ثم مع (باسوك) وبعد ذلك مع الحزب الشيوعي العراقي وفي النهاية مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني في طهران، هذه المصالحة العامة أصبحت نواة لتأسيس الجبهة الكوردستانية في العام 1988 بين الأحزاب والقوى الكوردستانية.

كان مام جلال، ومن خلال توقعاته الصائبة، يعتقد بأن النظام البعثي سيتحول الى نظام منعزل عن المجتمع الدولي، لذا دعا القوى الكوردستانية كافة الى الاستعداد لمرحلة جديدة من الحياة الحرة في كوردستان، فكانت انتفاضة كوردستان بداية لانعطاف سياسي جديد رغم النكسة المؤقتة التي اصابتها.
بعد انتفاضة 1991، ترأس مام جلال وفد الجبهة الكوردستانية للحوار مع النظام البعثي لإيجاد حل ديمقراطي عادل للمسألة الكوردية، لكن ورغم العزلة السياسية للنظام البعثي، فانه لم يكن يعترف بمطالب الكورد، وبعد أن فقد الأمل في قدرة النظام البعثي على الاعتراف بالحقوق القومية للكورد، وقف مام جلال ضد ابرام اتفاق هزيل وغير مضمون بين الكورد والنظام البعثي، وبسبب وجود توجهين مختلفين حول شكل التعامل مع بغداد تقرر اللجوء الى اجراء الانتخابات البرلمانية.
في انتخابات العام 1992 حصل الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكوردستاني على أغلبية الأصوات وقاما بعد ذلك معاً بتشكيل أول كابينة لحكومة إقليم كوردستان.

خلال انعقاد مؤتمر قوى المعارضة العراقية في صلاح الدين، أدى طالباني دوراً رئيسياً في إدارة اجندات المؤتمر وشارك في تشجيع المؤتمر للمصادقة على النظام الفيدرالي كصيغة لإدارة الحكم في العراق الجديد، واستناداً الى قرار المؤتمر هذا، صادق برلمان كوردستان على الفيدرالية لتنظيم العلاقة بين المركز والاقليم.
بعد اندلاع الاقتتال الداخلي، بذل مام جلال كل ما في وسعه من اجل إحلال السلام في ربوع كوردستان ودعم جهود الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيران وتركيا لإنهاء المشاكل بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي.
في العام 1998، وبإشراف الولايات المتحدة الامريكية، وقع مع مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني على اتفاقية واشنطن، ومن ثم كثف جهوده لتوحيد المؤسسات الإدارية لحكومة إقليم كوردستان.

بعد سقوط النظام البعثي في العام 2003، انتخب عضواً في مجلس الحكم، وفي العام 2004 ترأس مجلس الحكم وبعد المصادقة على قانون إدارة الدولة في العراق والذي اعترف رسمياً بحكومة إقليم كوردستان وأعلن العراق دولة فيدرالية، جرت في كانون الثاني 2005 أول انتخابات عامة وفقاً لهذا القانون، وفي 7 نيسان 2005 انتخب مام جلال من قبل الجمعية الوطنية العراقية رئيساً لجمهورية العراق في المرحلة الانتقالية.
في مرحلة كتابة الدستور العراقي شارك في الحوارات مع ممثلي شعب كوردستان والعراقيين الاحرار وساهم بشكل كبير في كتابة الدستور والذي كان اول دستور يصوت عليه الشعب، وبهذا أصبح مام جلال الثوري الديمقراطي التحرري مع رفاقه من القيادات العراقية، من الآباء المؤسسين لدستور البلد وعراب الديمقراطية الجديدة في المنطقة.


في 22 نيسان من عام 2006 انتخب رئيساً للجمهورية من قبل مجلس النواب لمدة 4 سنوات وأصبح أول بيشمركة وأول كوردي وأول رئيس منتخب في تأريخ العراق، وبنضاله المديد أصبح مام جلال من الرؤساء العظام في تأريخ العراق، وكرئيس كوردي ديمقراطي وحامٍ للدستور، أدى دوراً مهماً وفاعلاً في بناء الديمقراطية والتعددية وتعزيز التعايش وترسيخ قيّم العراق الفيدرالي.


وفي خطابه السنوي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عبّر عن تطلعات جميع القوميات والمكونات في العراق التعددي، باللغتين العربية والكوردية.
في عام 2007 ولتنظيم العلاقة بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني وقٌع على الاتفاق الاستراتيجي مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وبهذا خيّم السلام والعمران على كوردستان لفترة طويلة من الزمن.
في تموز2008 وخلال أعمال المؤتمر الثالث والعشرين لمنظمة الاشتراكية الدولية، انتخب نائباً لرئيس المنظمة، وفي عام 2010 انتخب من قبل مجلس النواب العراقي رئيساً للجمهورية لدورة ثانية.

خلال فترة رئاسته لجمهورية العراق، كان مام جلال أباً للسلام والتعايش والوقوف على مسافة واحدة مع الأطراف المختلفة، وكان بمثابة مظلة جامعة للمكونات والقوميات كافة. كانت مائدته العامرة في قصر السلام دوما مكاناً جامعاً للفرقاء، من اجل السلام والتصالح والعمل المشترك، وكان صمام أمان العراق كما وصفه سماحة السيد علي السيستاني، وعلى الصعيد الإقليمي والعراقي، أعطت رئاسة مام جلال هيبة وطابعاً جديداً للعراق الفيدرالي الديمقراطي رغم صعوبات مرحلة مواجهة الإرهاب والعنف الطائفي في البلد.

للأسف منع المرض والصعاب، هذا القائد العظيم من اكمال خارطة طريق بناء دولة فيدرالية ديمقراطية عامرة، وبتراث عظيم في الرئاسة والسياسة وتجربة طويلة في النضال الديمقراطي التحرري، ترك هذه المهمة للكورد وبقية المكونات العراقية.
في 17 كانون الأول 2012 تعرض الرئيس طالباني الى وعكة صحية نقل فوراً على اثرها الى مستشفى (شاريتة) في العاصمة الألمانية برلين، وفي 19 تموز2014 عاد الى السليمانية و استقر في دباشان، ومنذ ذلك الحين لم تسمح له حالته الصحية بالمشاركة في الحياة السياسية.

في 3-10-2017 فارق هذا القائد العظيم والبيشمركة الباسل والتحرري في كوردستان، وهذا الرئيس العظيم للعراق، الحياة الى الأبد.

وكما كان يردد دوماً على لسان مواطنه العتيد في الثقافة والأدب الكوردي الحاج قادر الكويي، فان:
الموت والحياة كالظل والشمس
والذي يبقى هو الذكر الجميل

Copyright © 2026 . PJT Foundation. All right reserved