السفر إلى الشام على ظهر شاحنة

2023-12-03

لقد كانت إجراءات السفر من وإلى كردستان العراق من بين المشاكل الرئيسية التي كانت تعترض تنقلات مام جلال بسبب حرمانه من وثائق السفر النظامية، أو نتيجة لأوامر منع الدخول عبر حدود بعض الدول الصادرة بحقه، ولذلك كان يضطر في معظم رحلاته إلى السفر بوثائق مزورة أو المرور عبر منافذ حدودية غير نظامية، فكانت حياته تتعرض خلالها للمغامرة والخطر الحقيقي الذي لم يكن ينفذ منها إلاّ بالصدفة وضربات الحظ التي كانت تصادفه أحياناً، وكانت الشام هي ملاذه الرئيسي الذي كان يحصل فيها على كل ما يلزم من التسهيلات ووثائق السفر الضرورية لمتابعة رحلاته المكوكية حول العالم من أجل قضيته القومية، مثلما حصل معه خلال مغادرته العراق بوثائق مزورة باسم (محمد موسى صادق)، متجهاً إلى الشام لحضور مهرجان وارسو للطلبة والشباب العالمي عام (١٩٥٥)، وكذلك الأمر محاولته عبور معبر (تل كوجر)، بنفس الوثائق لحضور هذا المهرجان في موسكو عام (١٩٥٧)، حيث تم اعتقاله على الحدود العراقية السورية، ليتم نقله إلى سجن الحسكة، وأيضاً منعه من الدخول إلى سوريا عبر معبر التنف الحدودي بسبب أمر مسبق بحقه يقضي بمنع دخوله إلى سوريا عام (١٩٧٠)، فيحالفه الحظ بالاتصال مع حافظ الأسد الذي كان حينذاك رئيساً للوزراء، ولعل أخطر تلك المغامرات هي عبوره نهر دجلة خلال عودته إلى كردستان العراق عبر معبر فيشخابور غير النظامي عام (١٩٩١)، واجتيازه النهر الفائض بواسطة قارب بدائي مهترئ كاد يودي بحياته بين أمواجه الهائجة بسبب الأمطار الغزيرة التي هطلت حينذاك...

وفي إحدى هذه الرحلات التقينا مام جلال أواسط شهر آب عام (٢٠٠٠)، في منزل الرفيق (عبد الحميد درويش)، بمدينة القامشلي، حيث كان قادماً من كردستان العراق عبر معبر فيشخابور الحدودي، وبعد استراحة قصيرة رافقه حشد من رفاق الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا لتوديعه في مطار القامشلي متجهاً إلى الشام ليسافر من هناك نحو أوروبا في جولة دبلوماسية هامة يساهم خلالها في فضح جرائم صدام حسين، وحشد الرأي العام ضده وإقناع المجتمع الدولي بضرورة العمل على إسقاطه لأنه بات خطراً على الجميع، ولإدراك القيادة السورية أهمية جولته هذه والدور الذي سيلعبه مام جلال في مستقبل العراق، فقد استقبلته إدارة مطار القامشلي يومذاك استقبالاً حاراً وسط العشرات من مودعيه، وخلال مراسيم الاستقبال رحب به مدير المطار بكلمة مقتضبة مفعمة بالود مؤكداً بأنهم قاموا اليوم بافتتاح المطار على شرف قدومه، بعد أن كانوا قد أغلقوه للترميم لفترة طويلة، وقال بأن هذه الطائرة قدمت من العاصمة خصيصاً لنقله كضيف عزيز...

الحقيقة أن الحفاوة الشديدة التي استقبل بها مام جلال في المطار من جانب مدير المطار وإدارته، لم تلفت انتباهه فقط، وإنما لفتت إنتباه مودعيه جميعاً، وكعادته لم يفوت مام جلال الفرصة، فارتجل كلمة معبرة شكر فيها مدير المطار على حفاوة الاستقبال، مؤكداً بأنهم سوف لن ينسوا وقوف سوريا إلى جانبهم ومساعدتها لهم في أصعب وأشد مراحل نضالهم في سبيل إسقاط عدوهما المشترك صدام حسين، وكأنه بذلك يريد أن ينقل إليهم شعوره الذي يؤكد بأن النظام في العراق في طريقه إلى النهاية المحتومة.

وقبل أن يصعد الطائرة مغادراً القامشلي باتجاه الشام، لم ينس مام جلال وكعادته أن يختتم لقاءه بهذه الحكاية المعبرة التي تختصر مسيرة نضاله التي تجاوزت النصف قرن من الكفاح المرير والنضال المثمر في سبيل تحرير شعبه ووطنه من نير الدكتاتورية والطغيان، وقال بأنه اعتقل في صيف عام (١٩٥٧)، في معبر تل كوجرعلى الحدود العراقية- السورية، وذلك بسبب عبوره الحدود بوثائق مزورة لحضور مهرجان وارسو للطلبة والشباب العالمي باسم اتحاد شباب وطلبة كردستان، فيتم إحالته إلى سجن القامشلي ومن هناك يتم نقله إلى سجن الحسكة، ويتصل من هناك مع السيدة روشن بدرخان ليخبرها بالأمر، وبجهودها الشخصية يتم الإفراج عنه في منتصف الليل، وقبل مغادرته السجن تسأله إدارة السجن فيما إذا كان يعرف أحداً في مدينة الحسكة ليبيت عنده، أو أن يظل في السجن حتى حلول الصباح، لأنه لم تكن توجد حينذاك وفي مثل ذاك الوقت المتأخر من الليل أيّة وسيلة للسفر بها إلى حيث يريد، سوى الانتظار على الطريق العام إلى حين مرور الشاحنات الكبيرة التي كانت تنقل عادة محاصيل الحبوب من الجزيرة إلى مدينة حلب، ليتابع من هناك رحلته إلى دمشق، ولكن مام جلال يصر على مغادرة السجن والسفر إلى الشام باسرع وقت ممكن ليتمكن من تأمين وثائق السفر للالتحاق باعمال المهرجان المزمع عقده في موسكو، فينتظر على الطريق العام المتجه إلى حلب لأكثر من ساعتين إلى أن تتوقفت له شاحنة محملة بأكياس المحاصيل الزراعية، وعندما لم يجد مام جلال له مكاناً شاغراً بجوار السائق يضطر للصعود إلى فوق الأكياس المحمولة في قاطرة الشاحنة حتى مدينة حلب..
واختتم مام جلال حديثه إلى الحضور قائلاً بأنه من المفارقات التي تبعث على التفاؤل بالمستقبل وبجدوى النضال، هي أنه يرى مثل هذا الاستقبال الحار به، وهو يذهب إلى الشام على ظهر طائرة خاصة، بعد أن سافر إليها من الحسكة منذ نصف قرن من الزمن محمولاً على ظهر شاحنة كبيرة لنقل المحاصيل...

اقرأ أيضاً

علي شمدين

أنا معكم...
Copyright © 2024 . PJT Foundation. All right reserved