في حضرة "الرئيس مام جلال".. قصة صورة غيرت تقديراتي للتاريخ

2026-06-24


هناك صور في عمر الصحفي لا تلخص لقطة عابرة، بل تلخص "عهداً كاملاً". والصورة التي أمامنا اليوم تنتمي إلى تلك الفئة من الصور التي توثق لحظة تجلٍّ إنساني وسياسي لزعيم استثنائي في تاريخ الحركة الوطنية الكوردية والعراقية، وهو الرئيس مام جلال طالباني. إنها قصة يوم مشرق جمع بين قامة تاريخية كبرى، وبين جيل شاب من الإعلاميين في تلفزيون "خاك" وإعلام الاتحاد الوطني الكردستاني. يومٌ أثبت فيه الرئيس مام جلال بالكلمة والفعل، أنه ليس مجرد قائد سياسي، بل هو أب حنون لكل من اقترب من دائرته.

ليلة الهاتف.. التكليف بالمهمة
بدأت القصة في ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء، الحادي والثلاثين من كانون الأول (ديسمبر) عام 2004. رنّ جرس الهاتف، وكان على الخط الآخر الزميل "شورش عەبالە " الذي كان يتولي وقتها إدارة تلفزيون "خاك". كانت نبرته تحمل جدية واضحة وهو يقول لي: "يا ژینۆ ، جهّز نفسك غداً في الصباح الباكر، لدينا موعد ينفتح على بوابة التاريخ والمستقبل، هناك مؤتمر صحفي مهم للرئيس مام جلال، وعليك أن تكون في مقر التلفزيون أول الفجر".

لم تكن تلك مجرد دعوة لتغطية إخبارية، بل كانت تذكرة عبور لمشاهدة صناعة القرار عن قرب.

الرحلة إلى دوكان.. والرئيس يقرأ الصحف
في صباح اليوم التالي، وكانت شمس الشتاء الدافئة تشرق على كوردستان، انطلقتُ في طريقي إلى مصيف "دوكان"، وبرفقتي الزميل المصور هيمين كاكەیی ، والإعلامية البارزة الراحلة ليلى علي، التي كانت وجهاً مضيئاً في قناتي "خاك" و"كوردسات". كنتُ في ذلك الوقت أعمل في قسم الأخبار، بينما كانت الزميلة ليلى تستعد لإجراء حوار خاص مع الرئيس مام جلال.

وصلنا في تمام الساعة العاشرة صباحاً. والمشهد الأول الذي طالعتنا به العين، كان مشهداً يحمل هيبة البساطة: كان مام يجلس هادئاً، يواجه بحيرة دوكان الزرقاء، ويمسك بيده مجموعة من الصحف يقرأها بتركيز شديد. استقبلنا سكرتيره الصحفي، ماكوك شيَخ محمد، بترحاب كبير، ووجّهنا إلى القاعة المخصصة للمؤتمر الصحفي الذي كان موجهاً بالأساس لوسائل إعلام الاتحاد الوطني (تلفزيون خاك، كوردسات، قناة گەلی كوردستان، راديو شعب كردستان، وصحيفة كوردستاني نو ێ‌).

بساطة الكبار.. "ماذا يشغل بال الناس؟"
عندما دخلنا عليه، لم نجد بروتوكولات الرؤساء الجامدة، بل وجدنا دفقاً من الترحاب الإنساني. طلب منا الرئيس مام جلال أن نرتاح أولاً، وقال بابتسامته المعهودة: "سنجلس ونتحدث بالتفصيل بعد غداء النصف من النهار".

وفي تلك الدقائق القليلة، تجلت عبقرية هذا الرجل، حيث أرسل إلينا الأستاذ أزاد جندياني (مسؤول المكتب الإعلامي وقتها) ليقول لنا جملة لا تخرج إلا من قائد حقيقي: "مام يسألكم: ما هي المحاور التي ترون أن يتحدث فيها؟ ما الذي يشغل بال الناس في الشارع الآن؟ وماذا يريدون منا؟".

تأملتُ المشهد في تلك اللحظة بتقدير صحفي: نحن أمام أول رئيس كوردي لجمهورية العراق، والأمين العام للاتحاد الوطني، وأحد أبرز قادة حركات التحرر في المنطقة والعالم، ومع ذلك، فهو يجلس ليستشير صحفيين شباباً ويطلب رأيهم في نبض الشارع.

مائدة الرئيس مام جلال.. الأبوة في أبهي صورها
كنتُ قد سمعتُ كثيراً من الأصدقاء والزملاء أن موائد الرئيس مام جلال لا تتميز بنوع الطعام أو فخامة الترتيب، بل تكتسب قيمتها من "حضور مام نفسه". فالرجل لم يكن يجلس لينتظر من يخدمه، بل كان يقوم بنفسه، يدور على ضيوفه طاولة بعد طاولة، يمازح هذا، ويضع الطعام في صحن ذاك، ويدفع الجميع لكسر حاجز الخجل.

وهذا ما حدث معنا بالضبط. شعرنا بالخجل الشديد وهو يقوم بنفسه بوضع الطعام لنا، محولاً تلك المائدة الرسمية إلى جلسة عائلية دافئة، تخللتها ذكرياته السياسية ونكاته الذكية التي يشتهر بها، حتى شعرنا جميعاً وكأننا أصحاب البيت ولسنا ضيوفاً.

سؤال الدولة الكوردية.. الحوار الحرج
بالنسبة لي كصحفي شاب في بداية طريقي، لم تكن المائدة هي الحدث الأهم، بل كانت فرصة المواجهة الأولى مع رجل دولة بحجم الرئيس مام جلال. كنت أشعر ببعض الرهبة، لكن بساطة الرجل كسرت هذا الحادث، فقررتُ ألا أضيع الفرصة، وأن أطرح عليه السؤال الحرج الذي كان يشغل الساحة وقتها وسط موجة من الشعارات العاطفية حول "إعلان الدولة الكوردية المستقلة والانفصال عن العراق".

كنت أعلم أن هذا السؤال قد يثير غضبه في الأوقات العادية، لأنه كان يري الأمور بعين الواقعية السياسية لا بعين الشعارات المرتجلة. التفت إليّ مام وأجابني باختصار حكيم، قائلاً:

"يا ژینۆ، دعني أسألك باختصار: لو أن إيران وتركيا لم تفعلا أي شيء سوي إغلاق حدودهما بوجهنا، فماذا سيحدث لنا؟ لا الشيعة ولا السنة في العراق، ولا الدول الكبرى في العالم سيقبلون بهذه الخطوة الآن. لذلك، لا يجوز لنا بأيدينا أن نضع حياة شعبنا في خطر، أو ندخل به في قمار خاسر".

أكد لي مام  أن إيمانه بالقضية الكوردية ثابت لا يتزحزح، لكن السياسة هي "فن الممكن" واختيار التوقيت الصحيح، وحذرنا من الانجرار وراء المزايدات السياسية والكلام الذي لا أساس له على أرض الواقع. واليوم، وأنا أسترجع هذه الكلمات، وأقارنها بما حدث لاحقاً في استفتاء عام 2017 وما ترتب عليه من نتائج، تتجلي لي بوضوح عبقرية وحكمة وبعد نظر هذا الرجل في إدارة الأزمات وحماية شعبه.

نكتة سياسية.. على حساب المكتب السياسي
ولم تنتهِ تلك الجلسة دون لمحة من لمحات روحه الفكاهية، حيث قصّ علينا حكاية طريفة عن الشهيد الدكتور عبد الرحمن قاسملو. قال لنا إن قاسملو كان عندما يدعو مام ورفاقه إلى الطعام يقول لهم: "إذا أعجبكم الأكل فهذه عزومتي الشخصية لكم، وإذا لم يعجبكم فهو علي حساب المكتب السياسي"، وضحك مام وقال لنا مبتسماً: "وأنا أقول لكم اليوم نفس الشيء، إذا أعجبكم الغداء فهو مني، وإذا لم يعجبكم فهو على حساب المكتب السياسي".

المؤتمر والوعي السياسي.. "جراحة الدماغ"
في تمام الساعة الثانية بعد الظهر، بدأ المؤتمر الصحفي واستمر حتى الساعة السادسة مساءً. تحدث فينا الرئيس مام جلال باللغتين الكوردية والعربية، ثم سجل لقاءً خاصاً ومطولاً مع الزميلة الراحلة ليلى علي، دون أي كلل أو ملل. كانت إجاباته تتدفق بالمعلومات والتحليلات العميقة.

وإذا أردتُ أن أستحضر من ذاكرتي أبرز ما جاء في ذلك اليوم، فقد ركز الرئيس مام جلال على نقاط استراتيجية:

وحدة الخطاب الكوردي: تشديده على ضرورة تمتين العلاقات بين الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني لتحقيق الحقوق الدستورية، والابتعاد عن خطاب التشنج والتعصب القومي.

ملف كركوك المعقد: تذكر الذاكرة قوله إن حل مسألة كركوك يشبه "عملية جراحية دقيقة في الدماغ"، تحتاج إلى عقل بارد، وحكمة، وحذر شديد، لأن أي خطأ صغير فيها سيكون ثمنه باهظاً جداً علي الجميع.

الإصلاح الداخلي وطاقات المغتربين: دعوته لفتح أبواب الإقليم أمام الكفاءات الكوردية المهاجرة في الخارج، وخاصة أصحاب الشهادات العليا والمختصين، للمساهمة في بناء الوطن.

غادرتُ المكان في ذلك المساء، وأنا أشعر بأنني لم أكن مجرد صحفي ينقل خبراً عابراً، بل كنت شاهداً على مدرسة سياسية فريدة، تجمع بين حنكة القائد الشديد في مواقفه، وحنان الأب الذي يسع الجميع بقلبه.
(عدسة الصورة: أزاد إبراهيم)

/Photo/Editor/IMG-20260624-WA0010.jpg

اقرأ أيضاً

Copyright © 2026 . PJT Foundation. All right reserved