السليمانية نحو مستقبل أكثر اخضراراً: خطوة جديدة في تطوير السياحة البيئية ومشروع محمية “بارك الشهداء” نموذجاً

2026-08-12

غريب علي سليم*

إن الهدف الرئيس من إنشاء المحمية الطبيعية هو حماية جميع الموارد الطبيعية في منطقة محددة، بما يضمن بقاءها على حالتها الأصلية، بعيداً عن التدخلات البشرية الضارة، وحمايتها من مخاطر التدمير أو الاندثار. 
وتشمل هذه الحماية جميع مكونات النظام البيئي، بما في ذلك الغطاء النباتي (الطبيعي والمستزرع)، الحيوانات البرية، الطيور، والموائل الجبلية.
وعلى مستوى العالم، تم التعبير عن هذا المفهوم بمصطلحات متعددة، مثل المحميات الطبيعية، الحدائق الوطنية، والمناطق المحمية. 
وتعكس هذه الاختلافات في المصطلحات تنوع الخصائص الطبيعية والبشرية لكل منطقة، فضلاً عن اختلاف الأهداف التي أُنشئت من أجلها. 

ومع ذلك، فإن معظم هذه المناطق المحمية تشترك في هدف واحد، وهو حماية الموارد الطبيعية من الأنشطة البشرية الضارة.
وفي إطار الاتفاقيات الدولية، بما في ذلك تلك التي يدعمها برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، فإن إنشاء المناطق الطبيعية المحمية لا يقتصر على تخصيص مساحة من الأرض أو الحفاظ على المناظر الطبيعية البكر، بل يمثل نهجاً متكاملاً للإدارة والاستثمار المستدامين للموارد البيولوجية، بما يضمن تحقيق التوازن بين صون التنوع البيولوجي، والتنمية الاقتصادية، والأنشطة البشرية.
وعلاوة على ذلك، ومع تزايد الإدراك لأهمية الغطاء النباتي والغابات والحدائق بالنسبة لقطاع السياحة، بدأت العديد من دول العالم تنظر إلى السياحة البيئية بوصفها مصدراً مهماً للإيرادات. 
ومن هذا المنطلق، أصبح إنشاء المناطق الطبيعية المحمية أولوية رئيسة لدى الحكومات، لما تحققه من أهداف علمية وثقافية وبيئية وسياحية.
تُعد السياحة من أهم الأنشطة التي تُمارس داخل المناطق الطبيعية المحمية. 
فعلى سبيل المثال، ووفقاً لإحصاءات أُجريت في ألمانيا عام 1977، فإن نحو 50% من زوار المحميات الطبيعية قصدوا هذه المواقع لأغراض سياحية. 
كما أظهرت نتائج استطلاع حول تفضيلات السياح أن 91.4% من المشاركين أعربوا عن رغبتهم في زيارة المناطق الطبيعية المحمية والاستمتاع بمناظرها الطبيعية، في حين أبدى 3.2% فقط اهتماماً محدوداً أو معدوماً بذلك.
وفي هذا الإطار، يُعد مشروع محمية بارك الشهداء أحد المشاريع الاستراتيجية لـ مؤسسة الرئيس جلال طالباني في السليمانية. ويهدف المشروع إلى إنشاء منطقة خضراء، وزيادة المساحات الخضراء، والحفاظ على ذكرى وأسماء الشهداء في البيئة المحلية، بما يُشكّل رصيداً بيئياً وثقافياً مهماً للأجيال القادمة، ويضمن بقاء أسماء الشهداء خالدة.
وقد باشر فريق فني متخصص من وزارة البيئة العراقية أعمال المسح الميداني للأرض المخصصة للمشروع في منطقة السليمانية. وتُعد هذه المبادرة خطوةً تمهيدية لاستكمال المتطلبات الفنية والبيئية، بعد استيفاء الشروط والمعايير المعتمدة لإعلان المنطقة محمية طبيعية.
ويهدف إعلان المنطقة محميةً طبيعية إلى تعزيز السياحة البيئية وسياحة الذاكرة.
يسهم هذا التنسيق المؤسسي في نقل قطاع السياحة من شكله التقليدي إلى نموذج السياحة المستدامة من خلال:
1. تطوير السياحة العلمية والتعليمية: تحويل الحديقة إلى مختبر ميداني للباحثين وطلبة الجامعات على مستوى إقليم كردستان والعراق.
2. تعزيز سياحة الذاكرة بحيث لا يقتصر هدف الزوار والسياح على قضاء أوقات الاستجمام في أحضان الطبيعة، بل يتعداه إلى التعرف على تاريخ الشهداء وهويتهم وتضحياتهم من خلال زيارة الحديقة.
3. دمج الثقافة والتاريخ مع الطبيعة: ربط أسماء الشهداء بمفهوم "خلود الطبيعة وتجددها"، بما يمنح المنطقة بعداً وطنياً ويجسد معاني الوفاء والتقدير.
4. تعزيز العلامة السياحية لمدينة السليمانية: إن حصول المنطقة على صفة محمية طبيعية سيضع السليمانية على خريطة السياحة الخضراء على المستوى الإقليمي.
ومن الضروري أن تتعاون الجهات المعنية لضمان تحقيق الأساليب الرسمية والعلمية لأهدافها البيئية والاقتصادية والسياحية.
وفي الختام، فإن مباشرة الفريق الفني التابع لوزارة البيئة العراقية أعمال المسح الميداني لمشروع محمية بارك الشهداء في منطقة السليمانية، بالتنسيق مع مؤسسة الرئيس جلال طالباني، يعكس تطور الفكر البيئي والسياحي في إقليم كردستان والعراق. ومن المتوقع أن يصبح هذا المشروع نموذجاً يجمع بين حماية الطبيعة، والحفاظ على ذكرى وأسماء الشهداء، وتنمية السياحة المستدامة وسياحة الذاكرة، بما يوفر رصيداً بيئياً وثقافياً طويل الأمد للأجيال الحالية والقادمة.

*طالب دكتوراه في تسويق السياحة جامعة السليمانية

اقرأ أيضاً

Copyright © 2026 . PJT Foundation. All right reserved